هل خسر ترامب والسعودية العراق؟ وهل خدمت الضربة إيران أكثر مما أضرتها؟
في السياسة لا يُقاس النجاح بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بعدد الحلفاء الذين كسبتهم أو خسرتهم. ومن هذه الزاوية، أعتقد أن ما جرى في العراق قد يكون مكسباً تكتيكياً عسكرياً، لكنه في المقابل قد يتحول إلى خسارة سياسية واستراتيجية لواشنطن وحلفائها.
إذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أن استهداف هيئة الحشد الشعبي سيؤدي إلى إضعاف نفوذ إيران داخل العراق، فإنها ربما تكون قد حققت النتيجة المعاكسة. فالحشد الشعبي ليس مجرد تشكيل عسكري، بل مؤسسة رسمية تعمل ضمن المنظومة الأمنية العراقية، واستهدافها يفتح الباب أمام التفاف سياسي وشعبي أوسع حولها، حتى من جهات تختلف معها في ملفات أخرى، انطلاقاً من رفض استهداف مؤسسة أمنية عراقية داخل الأراضي العراقية.
وما حدث بعد الضربات يقدم مؤشرات على ذلك. فقد توالت الإدانات من رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب، والقائد العام للقوات المسلحة، وهيئة الحشد الشعبي، إلى جانب بيانات صدرت عن السيد مقتدى الصدر، والسيد عمار الحكيم، والشيخ قيس الخزعلي، وهادي العامري، وحزب الدعوة الإسلامية، ولجنة الأمن والدفاع النيابية، وتحالف النهج الوطني، وعدد من الشخصيات والقوى السياسية الأخرى. هذا المشهد يعكس أن الحدث تجاوز الخلافات الداخلية، وتحول لدى كثيرين إلى قضية تتعلق بسيادة العراق.
ومن وجهة نظري، فإن أي عملية عسكرية تمنح خصومك فرصة لتوحيد صفوفهم تستحق إعادة الحسابات. فالانقسامات العراقية التي كانت قائمة قبل الضربات قد تتراجع مؤقتاً أمام شعور مشترك بأن السيادة تعرضت لانتهاك، وهذا قد يمنح القوى القريبة من إيران مساحة سياسية أوسع، بدلاً من أن يضيقها.
أما إيران، فمن الصعب تجاهل أنها تبدو، في هذه المرحلة، المستفيد السياسي الأبرز من تداعيات الهجوم. فاستهداف هيئة الحشد الشعبي، وهي مؤسسة أمنية رسمية عراقية، لا يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل يعيد إلى الواجهة خطاب السيادة ورفض التدخلات الخارجية، وهو خطاب لطالما شكل إحدى أبرز نقاط القوة لدى طهران وحلفائها داخل العراق.
وتستند هذه القراءة إلى معطيات تتجاوز الحدث نفسه، فالعلاقات بين العراق وإيران لا تقوم على المصالح السياسية والأمنية فحسب، بل ترتكز أيضاً على روابط دينية واجتماعية واقتصادية عميقة تراكمت على مدى عقود. وتبرز هذه الروابط بوضوح في الزيارات المليونية إلى العتبات المقدسة، وفي مقدمتها زيارة الأربعين، فضلاً عن حجم التبادل التجاري والتداخل المجتمعي بين البلدين.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي تصعيد عسكري يُنظر إليه داخل العراق على أنه استهداف لمؤسسة أمنية رسمية قد يعزز حضور الخطاب الداعي إلى توثيق التعاون مع إيران، ويمنح القوى القريبة منها مساحة سياسية وإعلامية أوسع للدفاع عن مواقفها، وهو ما قد يجعل الهدف المعلن المتمثل بتقليص النفوذ الإيراني أكثر صعوبة في المدى المنظور.
وفيما يتعلق بالسعودية، فإن مشاركتها خطاء استراتيجياً بدخولها المباشر في هذه العملية. فبدلاً من أن تكسب مساحة أوسع داخل العراق، قدمت لخصومها هدية سياسية مجانية، وأعادت إنتاج خطاب يعتبرها طرفاً في استهداف السيادة العراقية. وقد يكون الضرر السياسي الذي لحق بصورة المملكة داخل العراق أكبر بكثير من أي مكسب عسكري تتصور أنها حققته.
كما أن أي عملية عسكرية لا تنهي التهديدات، بل تدفع الأطراف الأخرى إلى التفكير في الرد، وهو ما يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل، الأمر الذي لا يخدم الاستقرار الإقليمي ولا المصالح الاقتصادية للدول المعنية.
إن السؤال الحقيقي ليس: من ربح الضربة الأولى؟ بل: من سيخرج بعد أشهر وهو يمتلك نفوذاً سياسياً أكبر داخل العراق؟
إذا كانت النتيجة النهائية هي ارتفاع الأصوات المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتزايد الالتفاف حول القوى التي ترفع شعار الدفاع عن السيادة، واتساع الفجوة بين بغداد وبعض شركائها الإقليميين، فإن من الصعب اعتبار العملية نجاحاً سياسياً كاملاً، حتى لو حققت أهدافاً عسكرية آنية.
ولهذا، أرى أن الحكم على هذه الضربة يجب ألا يكون بعدد المواقع التي استُهدفت، وإنما بحجم التحولات التي ستتركها في المشهد العراقي. فالتاريخ السياسي يبين أن القوة العسكرية قد تحقق نتائج سريعة، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية، بل قد تخلق واقعاً جديداً يمنح الخصم أوراقاً إضافية لم يكن يمتلكها قبل اندلاع المواجهة.
وجهة نظر
ادارة موقع عراق واحد للجميع
Share this content:


