من طبيب الصحة العامة إلى مجلس الشيوخ الأميركي.. قصة صعود عبد الرحمن محمد السيد (عبدول السيد) من خسارة حاكمية ميشيغان إلى انتصار تاريخي
عراق واحد للجميع | ملف خاص
لم تكن رحلة عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبدول السيد (Abdul El-Sayed)، إلى مجلس الشيوخ الأميركي طريقاً سهلاً، بل كانت مسيرة سياسية امتدت لسنوات، بدأت من العمل في مجال الصحة العامة، مروراً بمحاولة الوصول إلى منصب حاكم ولاية ميشيغان عام 2018، ثم العودة إلى المشهد السياسي بحملة انتخابية اعتمدت على دعم القواعد الشعبية والشباب والتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وانتهت بانتصار تاريخي في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
ففي 3 تشرين الثاني 2026، تمكن عبدول السيد من هزيمة منافسه الجمهوري مايك روجرز في سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأميركي، في نتيجة حملت أبعاداً سياسية وتاريخية تجاوزت حدود الولاية.
أولاً: النشأة والخلفية العلمية
ولد عبد الرحمن محمد السيد في ولاية ميشيغان عام 1984، لعائلة مصرية مهاجرة، ونشأ في بيئة أميركية متعددة الثقافات.
درس في المدارس الحكومية، ثم التحق بجامعة ميشيغان، حيث تخرج بتفوق وحصل على شهادة جامعية بامتياز، وكان ناشطاً رياضياً خلال سنوات دراسته.
واصل مسيرته العلمية في جامعة كولومبيا، حيث حصل على شهادة الطب، قبل أن ينتقل إلى جامعة أكسفورد البريطانية بمنحة رودس المرموقة، ويحصل على درجة دكتوراه أخرى.
اختار عبدول التخصص في الصحة العامة، وهو المجال الذي أصبح لاحقاً أساساً لمسيرته المهنية والسياسية، إذ ركز على تحسين الخدمات الصحية ومكافحة الفقر والتفاوت في الحصول على الرعاية الطبية.
ثانياً: بداية العمل الحكومي وبناء اسمه في ميشيغان
قبل دخوله المعترك الانتخابي، تولى عبدول السيد مناصب مهمة في قطاع الصحة العامة.
عمل مديراً لإدارة الصحة في مدينة ديترويت، وهي مدينة كانت تواجه تحديات اقتصادية وخدمية كبيرة بعد أزمتها المالية، وأسهم في إعادة تنظيم الإدارة وتطوير خدماتها.
ثم تولى إدارة الخدمات الصحية والإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، أكبر مقاطعات ميشيغان من حيث عدد السكان.
وخلال عمله الحكومي، ارتبط اسمه بعدد من المبادرات، منها:
العمل على إزالة مخاطر التلوث بالرصاص في المدارس الابتدائية.
توسيع إتاحة دواء ناركان المستخدم في التعامل مع الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية.
دعم برامج تخفيف الديون الطبية عن مئات آلاف السكان.
تحسين الخدمات الصحية وتطوير أداء المؤسسات الحكومية.
هذه التجربة منحته حضوراً سياسياً محلياً، وقدمت له صورة المسؤول الذي يتحدث عن الخدمات اليومية للمواطنين وليس عن الشعارات السياسية وحدها.
ثالثاً: المحاولة الأولى عام 2018.. سباق حاكمية ميشيغان
دخل عبدول السيد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2018، منافساً على ترشيح الحزب لمنصب حاكم ولاية ميشيغان.
قدم نفسه آنذاك باعتباره مرشحاً تقدمياً يدعو إلى إصلاح النظام الصحي، وتوسيع الخدمات الحكومية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى في السياسة.
ورغم نجاحه في بناء قاعدة انتخابية لافتة، خسر الانتخابات التمهيدية أمام غريتشن ويتمر، التي فازت لاحقاً بمنصب الحاكم.
كانت تلك الخسارة محطة مهمة في مسيرته؛ فقد ابتعد بعدها عن المنافسات الانتخابية المباشرة، لكنه لم ينسحب من العمل السياسي والفكري.
اتجه إلى الكتابة والتأليف، وأطلق برامج حوارية وشارك في النقاشات السياسية والإعلامية، كما واصل نشاطه في قضايا الصحة العامة.
وأصدر كتابه Medicare for All: A Citizen’s Guide، الذي تناول فيه رؤيته لنظام صحي يضمن الرعاية الطبية لجميع الأميركيين.
رابعاً: العودة إلى السياسة وإعلان الترشح لمجلس الشيوخ عام 2025
جاءت الفرصة السياسية الجديدة بعد إعلان السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عدم ترشحه لولاية جديدة، ما فتح باب المنافسة على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ.
وفي 17 نيسان 2025، أعلن عبدول السيد رسمياً ترشحه للمقعد، مقدماً حملته باعتبارها مشروعاً سياسياً يضع مصالح المواطنين قبل مصالح أصحاب الثروات والشركات الكبرى.
ركز برنامجه الانتخابي على عدة ملفات رئيسية:
الرعاية الصحية: دعم نظام الرعاية الصحية الشاملة Medicare for All.
تكاليف المعيشة: تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر الأميركية.
الإسكان: توفير مساكن بأسعار معقولة.
العدالة الاقتصادية: الحد من نفوذ أصحاب المليارات والشركات الكبرى في صناعة القرار السياسي.
البيئة: حماية المياه والهواء ومواجهة التلوث.
السياسة الخارجية: مراجعة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، والدعوة إلى مساءلة السياسات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
واعتمدت حملته بدرجة كبيرة على التبرعات الصغيرة والمتطوعين، وقدم نفسه بوصفه مرشحاً قادماً من خارج المؤسسة السياسية التقليدية.
خامساً: المعركة داخل الحزب الديمقراطي
لم تكن الانتخابات التمهيدية سهلة، فقد واجه عبدول السيد منافسة قوية من النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز، التي حظيت بدعم عدد من القيادات التقليدية في الحزب، ومن بينها السيناتور تشاك شومر والحاكمة غريتشن ويتمر.
كما نافسته السيناتورة عن الولاية مالوري ماكمورو، التي انسحبت من السباق في 5 تموز 2026، لتصبح المنافسة الرئيسية بين السيد وستيفنز.
وشهدت الحملة انقساماً واضحاً داخل الحزب الديمقراطي بين التيار التقدمي الذي دعم عبدول، والتيار المعتدل الذي رأى أن مرشحاً أكثر قرباً من المؤسسة الحزبية سيكون أكثر قدرة على الفوز في ولاية متأرجحة مثل ميشيغان.
وحصل عبدول على دعم شخصيات وطنية بارزة، أبرزها:
السيناتور بيرني ساندرز.
النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
عدد من الشخصيات والمنظمات التقدمية.
كما شهدت المنافسة إنفاقاً كبيراً من جهات خارجية، وقد أشارت تقارير إلى إنفاق يقارب 30 مليون دولار من جهات مرتبطة باللوبي المؤيد لإسرائيل في حملة معارضة لترشيحه.
وفي 5 آب 2026، أعلنت النتائج فوز عبدول السيد بالترشيح الديمقراطي، متقدماً على هايلي ستيفنز بفارق 14,893 صوتاً، أي أقل من نقطة مئوية واحدة، بعد منافسة حادة استمرت حتى الساعات الأولى من اليوم التالي.
وكان هذا الانتصار نقطة التحول الكبرى في مسيرته السياسية، بعدما تمكن مرشح تقدمي من هزيمة مرشحة تحظى بدعم واسع من قيادات الحزب ومؤسساته.
سادساً: باراك أوباما يدخل على خط الحملة
بعد فوزه بالترشيح الديمقراطي، بدأ عبدول السيد مرحلة توحيد صفوف الحزب استعداداً لمواجهة الجمهوريين.
وفي آب 2026، كشف أنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وصفه بأنه كان دافئاً ومشجعاً، مشيراً إلى أنه استفاد من نصائحه.
كما أعرب عن أمله في أن يشارك أوباما في حملته الانتخابية داخل ميشيغان، نظراً إلى خبرته الانتخابية وشعبيته في الولاية.
وأكد متحدث باسم أوباما حصول الاتصال.
وكانت هذه الخطوة ذات أهمية سياسية وإعلامية، لأنها جاءت في أعقاب انتخابات تمهيدية كشفت خلافات عميقة داخل الحزب الديمقراطي، وأظهرت الحاجة إلى توحيد القواعد المعتدلة والتقدمية خلف المرشح الجديد.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاتصال لم يكن إعلاناً رسمياً من أوباما بتأييد ترشيح عبدول، وإنما كان تواصلاً سياسياً في إطار مساعي توحيد الحزب.
سابعاً: دونالد ترامب يدخل المواجهة.. اتهامات وتصعيد سياسي
مع انتقال المنافسة إلى الانتخابات العامة، أصبح عبدول السيد هدفاً لهجمات متكررة من الرئيس دونالد ترامب وعدد من الشخصيات الجمهورية.
فقد شن ترامب هجوماً عليه، واتهمه بمعاداة اليهود، كما استخدم خطاباً حاداً بشأن خلفيته الدينية والسياسية، وحاول تصوير انتخابه باعتباره تهديداً للولايات المتحدة.
وذهب بعض الجمهوريين، ومن بينهم السيناتور تيد كروز، إلى اتهامه بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، من دون تقديم دليل يثبت تلك الاتهامات.
ورداً على هذه المزاعم، نفى عبدول السيد بصورة قاطعة أي ارتباط له بجماعة الإخوان المسلمين، وقال إنه لم يكن عضواً فيها ولن يكون كذلك.
كما تعرض لانتقادات بسبب مواقفه من إسرائيل والحرب في الشرق الأوسط، ولا سيما دعوته إلى إعادة النظر في الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل.
وفي المقابل، أكد أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يعني معاداة اليهود، وأن موقفه يقوم على رفض الحرب والدفاع عن حقوق المدنيين.
وكانت هذه المواجهة من أبرز جوانب الحملة، إذ تحولت المنافسة من نقاش حول الاقتصاد والصحة والخدمات إلى سجال سياسي واسع بشأن الدين والهوية والسياسة الخارجية.
ثامناً: انقسام داخل الديمقراطيين قبل الانتخابات العامة
على الرغم من فوزه بالترشيح، لم تكن مهمة عبدول في توحيد الحزب الديمقراطي سهلة.
فالنائبة هايلي ستيفنز، منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، دخلت في خلاف علني معه بشأن مواقفه من إسرائيل وبعض الشخصيات التي شاركت في فعاليات حملته.
وقبل الانتخابات بأيام، أعلنت ستيفنز تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الحزب الديمقراطي.
كان ذلك تطوراً غير مألوف، إذ إن مرشحة ديمقراطية خسرت الانتخابات التمهيدية قررت دعم منافس حزبها في الانتخابات العامة.
لكن عبدول واصل حملته معتمداً على قاعدته الشعبية والمتطوعين، وعلى خطاب يركز على الاقتصاد والرعاية الصحية وتكاليف المعيشة، محاولاً إقناع الناخبين بأن المنافسة تتعلق بمستقبل الخدمات والحقوق الاقتصادية، وليس بالانقسامات الحزبية وحدها.
تاسعاً: المعركة النهائية أمام الجمهوري مايك روجرز
واجه عبدول السيد في الانتخابات العامة المرشح الجمهوري مايك روجرز، وهو عضو سابق في الكونغرس وضابط سابق في الجيش الأميركي وعميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI.
وكان روجرز قد خاض انتخابات مجلس الشيوخ عام 2024 وخسر أمام الديمقراطية إليسا سلوتكين بفارق يقارب 20 ألف صوت.
دخل روجرز السباق مدعوماً من الرئيس ترامب والحزب الجمهوري، وركز حملته على مهاجمة مواقف عبدول من إسرائيل وإيران، وعلى التشكيك في قدرته على تمثيل جميع سكان الولاية.
في المقابل، حاول عبدول تقديم نفسه باعتباره مرشحاً مستقلاً عن نفوذ المؤسسات المالية والسياسية، وربط بين الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وتكاليف السياسات الخارجية.
كما استفاد من حالة الاستياء الشعبي المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والحرب مع إيران، وهي ملفات أثرت في المزاج الانتخابي خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة.
عاشراً: ليلة الفوز.. عبدول السيد يدخل التاريخ الأميركي
في الثالث من تشرين الثاني 2026، توجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، وكانت ولاية ميشيغان واحدة من أبرز ساحات المنافسة على السيطرة على مجلس الشيوخ.
ومع ظهور النتائج، تمكن عبدول السيد من تجاوز منافسه الجمهوري مايك روجرز، وأعلنت شبكة CBS توقع فوزه، كما أكدت وكالة أسوشيتد برس انتصاره في السباق.
وبهذا الفوز أصبح عبدول السيد أول مسلم يصل إلى عضوية مجلس الشيوخ الأميركي، في سابقة تاريخية على مستوى المؤسسة التشريعية الأميركية.
ولم يكن الانتصار مجرد فوز مرشح في ولاية متأرجحة، بل جاء ضمن موجة انتخابية أوسع حقق فيها الديمقراطيون مكاسب كبيرة، وتمكنوا من استعادة السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب.
وبذلك أصبح فوز عبدول جزءاً من تحول سياسي أوسع أعاد رسم موازين القوى في واشنطن، ووضع إدارة ترامب أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية.
ماذا يعني وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ؟
يمثل انتخاب عبدول السيد حدثاً له دلالات متعددة:
سياسياً: يعكس قدرة التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي على المنافسة والفوز في ولاية متأرجحة، رغم معارضة أجزاء من المؤسسة التقليدية للحزب.
تاريخياً: يمثل وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأميركي محطة جديدة في تاريخ التمثيل السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة.
اقتصادياً: يضع برنامج الرعاية الصحية الشاملة وتخفيف تكاليف المعيشة ونفوذ الشركات الكبرى في صلب النقاش التشريعي.
خارجياً: من المتوقع أن يكون لمواقفه بشأن الحرب في الشرق الأوسط والمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل حضور في النقاشات السياسية داخل مجلس الشيوخ.
داخل الحزب الديمقراطي: يمنح فوزه التيار التقدمي دفعة سياسية، ويعزز النقاش بشأن مستقبل الحزب والاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه استعداداً للانتخابات الرئاسية عام 2028.
من الخسارة إلى الانتصار.. الدرس الأبرز في مسيرة عبدول السيد
قبل ثماني سنوات، خسر عبدول السيد سباق الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ميشيغان أمام غريتشن ويتمر، وابتعد عن المنافسة الانتخابية المباشرة، لكنه لم يتخل عن طموحه السياسي.
عاد عام 2025 بترشح جديد، وهذه المرة إلى مجلس الشيوخ، وواجه معارضة من داخل حزبه قبل أن ينتصر على منافسته هايلي ستيفنز بفارق ضئيل.
ثم واجه حملة جمهورية شرسة قادها ترامب وحلفاؤه، واتهامات تتعلق بدينه ومواقفه السياسية، فضلاً عن انقسام داخل حزبه وصل إلى حد إعلان منافسته السابقة دعم المرشح الجمهوري.
ومع ذلك، تمكن من الفوز في الانتخابات العامة على مايك روجرز، ليحقق إنجازاً تاريخياً ويدخل مجلس الشيوخ الأميركي.
إن قصة عبدول السيد ليست مجرد قصة مرشح مسلم وصل إلى واحدة من أهم المؤسسات السياسية في العالم، بل هي أيضاً قصة عودة سياسية بعد الخسارة، وصعود تيار تقدمي استطاع فرض حضوره في مواجهة المؤسسة الحزبية التقليدية.
ويبقى التحدي الأكبر أمامه الآن هو تحويل الوعود الانتخابية إلى مواقف وتشريعات عملية، وإثبات أن الفوز التاريخي يمكن أن يتحول إلى تأثير حقيقي في السياسة الأميركية.
عراق واحد للجميع | من يتابع المشهد الأميركي لا يراقب مجرد انتخابات، بل تحولاً في موازين القوى والاتجاهات السياسية داخل الولايات المتحدة.
Share this content:


