ما لا تحسبه المعادلات
ببساطة شديدة، من يُعِدّ لنفسه ما استطاع من قوة، ويأخذ بأسباب النصر، ثم يتوكل على الله ويصبر، فإن الله لن يخذله.
أعتقد أن هذه المعادلة من السنن التي تحكم حركة الصراع في الشرق الأوسط، ومن أبرز مصاديقها المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى.
لكن ما معنى أن يكون الله بجانب طرف دون آخر؟
ليس الأمر، بالضرورة، أن تتعطل القوانين الطبيعية أو تتوقف موازين القوة عن فعلها، بل أن تتوافق الأسباب، وتتضافر الظروف، وتتهيأ من الوقائع ما يجعل كفة الحق والقضايا العادلة أقرب إلى النصر. فالتوكل لا يلغي الإعداد، والصبر لا يعني الانتظار السلبي، والإيمان بالغيب لا يعفي الإنسان من الأخذ بالأسباب.
وهنا تكمن الفكرة الأعمق: ليست كل المعادلات مكتملة بما نراه، وليست كل النتائج محكومة بما نستطيع حسابه.
فقد تكون هناك تفاصيل صغيرة، لا تبدو في لحظتها ذات شأن، لكنها تأتي في توقيت حاسم، فتغيّر مسار أحداث كبيرة، وتقلب حسابات بدت محكمة، وتفتح باباً لم يكن ظاهراً في الحسبان.
هذه التفاصيل هي ما أسميه يد الغيب.
وقد تكون مصادفة في ظاهرها، أو موقفاً عابراً، أو خطأً في حسابات الخصم، أو فرصة لم تكن متوقعة؛ لكنها حين تجتمع في لحظة الحاجة، وتؤدي دورها في تغيير مسار الأحداث، يراها المؤمن من جنود الله وأدوات تدبيره.
وهنا أقول: من لا يؤمن بالغيب، فهذه مشكلته!
إن جنود الله ليسوا بالضرورة مما تراه العيون أو تتوقعه الحسابات؛ فقد يكونون في تفصيل صغير، أو ظرف طارئ، أو تحول غير محسوب، يأتي في اللحظة التي تبلغ فيها الحاجة أقصاها. ولذلك، فإن ما يبدو تفصيلاً هامشياً في حسابات البشر قد يكون حاسماً في ميزان النتائج.
وهذه السنة لا تخص الحروب والصراعات الكبرى وحدها، بل تمتد إلى مختلف مستويات حركة الإنسان الخيّرة في الحياة. فكم من إنسان أخذ بالأسباب، وأخلص في سعيه، وصبر على طريقه، ثم جاءه الفرج من باب لم يكن يتوقعه، ومن تفصيل لم يكن يضعه في حساباته.
وفي المقابل، فإن حركة الإنسان في طريق الشر قد تخضع أحياناً لسُنّة الاستدراج والإملاء؛ فيُترك له المجال، وتتسع أمامه الأسباب، حتى يظن أن ما يحققه من مكاسب دليل على صحة طريقه، بينما قد تكون تلك المهلة جزءاً من سنة لا يدرك حقيقتها إلا حين تأتي العاقبة.
إن المسألة، في جوهرها، ليست موازنة بين ما نملك من قوة وما يملكه الآخرون فحسب؛ فهناك دائماً ما لا يدخل في الحسابات، وما لا تراه العيون، وما لا تستطيع التقديرات البشرية الإحاطة به.
علينا أن نُحسن الإعداد، ونأخذ بما نستطيع من أسباب، ونتوكل على الله، ونصبر؛ أما ما وراء ذلك، فليس كل ما يغيب عن أعيننا غائباً عن تدبير الله.
والعاقبة للمتقين.
Share this content:


